الشيخ ناجي طالب آل فقيه العاملي
45
دروس في علم الأصول ( شرح الحلقة الثالثة )
--> بيان ذلك : إن الذي يوقع الانسان في هذه المقالة هو وضعه لجهنّم أمام عينيه عندما يسأل عقله ، وهذا الوضع يوجب انحرافا مزاجيا عند العقل ، وذلك كما لو علم شخص بأنّ النائم بجنبه في الليل ميت وهما لوحدهما في البيت فانّه رغم علمه بموته لكنّك تراه يخاف منه ولا ينام مطمئنّا ، هذا الانحراف المزاجي هو الذي يعطّل العقل السليم من أن يحكم على طبق فطرته الأوّليّة . فعلى الانسان إذا أراد أن يسأل عقله ان يجتنب كلّ المؤثّرات الخارجية ثمّ ينظر . وهنا لو اعتقدنا من الشارع المقدّس أنّه لن يعاقب أصلا حتّى مع المخالفة وانّما يكتفي باللوم فقط ، فهل لله تعالى أن يلوم الشخص الذي يحتمل أو يظنّ بوجود تكليف الزامي رغم سؤاله بالفحص ؟ قال السيد المصنّف ( قده ) : نعم . . . وقد يستدل على مقالته بلزوم دفع الضرر المحتمل عقلا ، فمن يحتمل دخوله للنار يوم القيامة مع عدم احتياطه - مع عدم وجود مؤمن بحسب الفرض - يلزمه عقله بالاحتياط . ولك أن توضّح هذا الأمر بنحو آخر بأن تقول إنّ الشارع المقدّس لم يقيّد الأحكام الشرعية أو متعلقاتها - في الغالب - بالعلم بها ، فكان يقول مثلا الخمر حرام ، لا معلوم الخمرية حرام أو الخمر حرام فعلا ان علمت بحرمته جعلا ، وكذا في سائر الالزاميات ، فخوفا من أن نقع في مخالفة الواقع المجهول ونرتكب ما فيه مفسدة وقبح أو نترك ما فيه ملاك الواجب والمصلحة الالزامية يلزمنا العقل بالاحتياط في موارد الاحتمال . ( أقول ) إنّ ما ذكر في النحو الأوّل يتوقّف دفعه على العلم ببراءة الذمّة ، وهذا ما سنبيّنه إن شاء الله بعد قليل ، فلا نعود نحتمل الضرر . وأمّا ما ذكر في النحو الثاني فجوابه انّ الموارد تختلف ، ففي الموارد المهمّة كما في موارد احتمال التسمّم لا يحكم العقل فيها ببراءة الذمّة ، وأمّا في غير ذلك فانّ العقل يحكم فيها ببراءة الذمّة سواء كان المورد من الشبهات الحكمية أم من الشبهات الموضوعية ، وجوبية كانت الشبهة أم تحريميّة ، وان كان الأمر في الشبهات الحكمية أوضح ، وفي خصوص الوجوبية أشدّ وضوحا ، ولعلّ هذا هو السرّ في ورود بعض الروايات في خصوص الشبهات الموضوعية التحريمية لتأكيد البراءة في هذا المورد